(( نون و القلم و ما يسطرون )) سبحان من رفع شأن القلم بهذا القسم ، إن المتأمل و الباحث في فضل هذه السورة –سورة القلم – يرى أنها من أوائل ما نزل من القرآن بمكة ، فقد نزلت كما قال ابن عباس رضي الله عنهما (( اقرأ باسم ربك )) ، ثم هذه – ((نون و القلم وما يسطرون )) ، ثم المزمل ثم المدثر .
و نرى هذا التسلسل المنطقي للآيات التي تحث على طلب العلم ، فبدأت الآيات بأول ما نزل على الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم ((اقرأ باسم ربك )) ، فما كان النبي صلى الله عليه و سلم بقارئ ، و لكنها رسالة و أمر لكل مسلم على مر الأزمنة و العصور .
ثم بعدها نزلت آية قسم رب العزة بالقلم، و هذا القسم تعظيم لشأن الكتابة أداة العلم، و من هنا نرى أن الأولوية في طلب العلم تأتي للقراءة ثم الكتابة، و هما أمران متلازمان، فكما قالوا " القراءة صيد و الكتابة قيد فاحكم الصيد بالقيد" .
و نرى كثيراً من أهل العلم من يعظم القلم و يقدس الكتابة – و لست هنا بصدد التقليل من قيمتهما فكلنا إيمان بأهميتهما في طلب العلم – و ينسى دور الورقة !
كنت و ما زلت ممن يعظم الورقة الجزء الثالث من هرم العلم، فبها يبقى و بها يوثّق .
و لما كانت دراستي الجامعية تعتمد على أوراق مجمعة كمصدر للمعلومات لا على الكتب تولد عندي إحساس بقيمة الورقة، فعندما ينتهي الفصل الدراسي يعز علي رمي الأوراق ، كوني أراها أعظم من أن ترمى.
و على الرغم من أن مصير هذه الورقة حاوية المهملات إلا أنها قبل أن تصل إلى الحاوية فإني أستنفذ كل مساحة فيها، إلى أن وجدت بفضله تعالى مجموعة من الشباب الكويتي حملوا على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على البيئة، و من جوانب عملهم التطوعي جمع الأوراق لإعادة تصنيعها بدل حرقها، بالفعل إنه عمل يستحق الشكر.
و قريب من موضوع الورقة ، التقيت بإحدى الأخوات المفكرات منذ فترة، وكان حديثنا يدور حول الكتب و القراءة و في خضم الكلام أخبرتها عن مدى تعظيمي للورقة، فقصت لي حادثة من عهد عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه- حيث طلب منه أحد وزرائه زيادة إنتاج الورق لكثرة الطلب عليه و الاستهلاك، فرد عليه عمر: أدق قلمك و قارب بين أسطرك فإني أكره أن أخرج للمسلمين ملا ينتفعون به!
